يعد مصطلح المجتمع المدني أوربي النشأة والمفهوم والتطور.. لهذا نجده قد
تأثر بظروف وبيئة المجتمعات الأوربية التي حددت ملامحه الأساسية في
اطارالتطورات الفكرية والسياسية والاجتماعية حددت ملامحه الأساسية ولكن عند
تطبيقه في العراق بعد سقوط النظام البائد واجهته تحديات وصعوبات جمة سنحاول
التطرق إلى أهمها: -
جذور مؤسسات المجتمع المدني
:-
يقول الدكتور مازن تحسين أستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد تمتد جذور هذه
المؤسسات حيثما بدأ فلاسفة اليونان بالدعوة إلى بناء مجتمع المدينة (مجتمع
الحضر) كبديل عن المجتمع القبلي (مجتمع الريف) ولعل الفيلسوف الانجليزي جون
لوك هو أول من استخدم مصطلح المجتمع المدني في بحثه الموسوم (في الحكم
المدني) عام 1691
حينما تناول في بحثه هذا مسالة تكوين المجتمعات السياسية والمدنية فالمجتمع
المدني عند لوك وبعض من معاصريه هو المجتمع السياسي والذي يعني به الدولة
التي تقوم على أساس العقد الاجتماعي بين الأفراد والجماعة.. ولما كانت
الدولة في أوربا في مرحلة تشكيلها ككيان سياسي ومدني قد واجهت صراعا عنيفا
مع الكنيسة الكاثوليكية التي نازعت سلطة الدولة لذا نجد أن المجتمع الأوربي
اتجه وبإصرار إلى فصل الدين عن الدولة وعمد إلى صبغ الدولة بصبغة العلمانية
من خلال رفع وتجسيد شعار (مالله لله وما لقيصر لقيصر) والى جانب هذا
المفهوم الرأسمالي كان هناك الفهم الديالكتيكي للمجتمع المدني والذي تزعمه
الفيلسوف الألماني هيغل ومن ثم ماركس الذي شيد فلسفة مجتمعه المدني على
فكرة المجتمع المشاعي المتعلم وعلى اساس هدم كيان الدولة والاسرة الملكية
الخاصة.. ونتيجة الى احداث وتطورات محورية وتراكمية في اوربا والعالم
الغربي وخلال القرنين الاخيرين من الزمن وتفاعل تاثيراتها باتجاه تعميق
وتكريس نظم الحكم الديمقراطي اتجه الفكر الغربي الى بلورة وصياغة مفهوم
مؤسساتي جديد لمصطلح المجتمع المدني فصار البعض يعرف المجتمع المدني بانه
(كل المؤسسات التي تتيح للافراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون
تدخل وتوسط الحكومة) بينما عرفه اخرون بانه (مجموعة التنظيمات التطوعية
الحرة التي تملاء المجال العام بين الاسرة والدولة لتحقيق مصالح افرادها
ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتسامح والتاخي والادارة السلمية
للتنوع الخلاق) واخرون عرفوه بانه (التنسيق السياسي المتطور والمتيح
لمؤسسات فاعلة لمراقبة المشاركة السياسية) بينما عرفته ندوة بيروت لمركز
دراسات الوحدة العربية عام 1992 بانه (مجموعة المؤسسات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في أي
استقلال عن السلطة لتحقيق أهداف متعددة سياسية ومهنية وثقافية) ومن خلال
هذه التعريفات يمكن تحديد خصائص وسمات المجتمع المدني المعاصر..
خصائص المجتمع المدني المعاصر في العراق :-
يقوم المجتمع المدني على عددٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ
من المؤسسات غير الحكومية المتمتعة بشخصية معنوية (اعتبارية) حيث
يقوم الأفراد والمواطنون طواعية بإرادة حرة بتشكيلها. أن دور المجتمع
المدني في العراق هوا لبناء الديمقراطي والسياسي للدولة وهذا الدور يتناسب
طرديا مع عدد مؤسساته ومدى فاعليتها وطبيعة العلاقة بينها وربما يثور نقاش
وجدل حول المبادئ والأسس التي يجب اعتمادها في تنظيم العلاقة بين مؤسسات
المجتمع المدني وبين مؤسسات الدولة حاليا في
العراقٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ ومؤسسات المجتمع المدني تنظيمات
جماعية تتميز بكونها تنظيما جماعيا وليس فرديا وهي بهذا تعزز من روح
الجماعة وذلك من خلال نظام داخلي خاص بالمؤسسة المدنية وقيامه على عدد من
القواعد المنظمة والحاكمة للعمل والسلوك...وهذه المؤسسات ذات مصالح متنوعة
غير ربحية فمنها ذات طبيعة سياسية كالأحزاب والحركات ومنها ذات طبيعة
اجتماعية وثقافية كالجمعيات الخيرية والروابط والجمعيات التجارية والصناعية
ومنها ذات طبيعة مهنية كالاتحادات والنقابات والروابط المهنية و منها ذات
طبيعة إنسانية وبعد قانوني كجمعيات حقوق الإنسان والمرأة والطفولة ونحوها,
والمقصود بالمصلحة هنا المعنى القانوني الأكثر شيوعا وهي اي حق مادي أو
معنوي يقره القانون ويصونه وليس المعنى البرغماتي القائم على مبدأ المنفعة
وتحقيق ا شباع الذات الانانية بطريقة ووسائل غير مشروعة.
ولما كانت مؤسسات المجتمع المدني منظمات جماعية لافراد معينين تجمعهم وحدة
المصلحة فلابد اذن من ايمانهم والتزامهم بمنظومة قيمية وخلقية عادة ما
تتاثر وتؤثر باخلاقيات وسلوكيات المجتمع البشري.. بحكم تنوع خلفياتهم
القومية والدينية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية الا انهم عادة ما
يتاثرون بثقافة وقيم مشتركة تقرب فيما بينهم او توحد او تجانس سلوكياتهم.
ولعل من ابرز مفردات قيم ثقافتهم المشتركة هذه الحرية وقبول التنوع والتعدد
والتعاون والتنافس السلمي فضلا عن الايمان بالعمل الجماعي والاعتماد على
الذات الجماعية في تحقيق المصالح.
ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ
وظائف مؤسسات المجتمع المدني
ولمؤسسات المجتمع المدني اهداف اوسع واعمق من مجرد المعارضة ومن ابرز وظائف
هذه المؤسسات هي:
1- تجسيد مبدأ المشاركة السياسية وخاصة المؤسسات المدنية ذات الطبيعة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واضفاء الهوية الوطنية على هذه
المشاركة.
2- معاونة او مشاركة السلطة التشريعية وخاصة في الدول ذات النظم
الديمقراطية على مراقبة اداء مؤسسات الحكومة وكيفية ممارسة اختصاصاتها
الدستورية وتشكيل قوة ضاغطة في حالة خرق او مخالفة هذه الاختصاصات
3- تدعيم وتعزيز حرية الراي والتعبير الجماعي من خلال اتاحة المجال امام
اعضائها للتعبير عن احتياجات الجماعات ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ في المجالات
كافة.
4- تاهيل وتنمية اعضائها في مجال التعامل مع القضاياالجماعية والعامة
وافراز واعداد كوادر قيادية مؤهلة لتقلد الوظائف العامة.
5- التاثير على الخطاب الثقافي وتعزيز قيم السلم والديمقراطية وتدعيم
الممارسات الديمقراطية فضلا عن دورها في تعزيز التواصل المجتمعي وتعزيز فرص
التواصل الحضاري مع المؤسسات المدنية الدولة المشابهة
6- ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍالمساهمة المعرفية من خلال توفير
البيانات والمعلومات التي تقتضيها او تفرزها نشاطاتها او اعداد دراسات
وبحوث خاصة بقضاياها وكذلك توفير بعض فرص العمل في المجال الاداري والمالي
والمعلوماتي والخدمي
لبعض اعضائها او من سواهم.
مشاكل مؤسسات المجتمع المدني العراقي :-
رغم التطور الهائل لمؤسسات المجتمع المدني في العراق بعد سقوط النظام
المباد في 9/4 / 2003 ورغم استحداث وزارة تعنى بشؤؤن المجتمع المدني ورغم
الدعم من بعض الجهات المانحة لهذه المؤسسات الا ان بنية هذه المؤسسات ما
زالت ضعيفة بسبب الاوضاع الناشئة عن تداعيات الاوضاع السياسية والامنية
والاقتصادية والاجتماعيةولعل من ابرزها هي:
1- هشاشة مؤسسات المجتمع المدني العراقي الناشئة حديثا والمنبثقة عن بيئة
سياسيةواجتماعية مدمرة بفعل العبثية التي مارسها النظام المباد والقائمة
على مبدأ الاقصاء والتهميش الغاء الاخر.
2- ضعف الوعي الشعبي في العراق باهمية ودور هذه المؤسسات وتحفظ العديد من
العراقيين على الانضمام إليها بسبب ملابسات واقع نشوئها
3 – ثقافة الانا الفردية وخباء الانا الجماعية في العراق التي تضعف من رغبة
المشاركة والانضمام لهذه المؤسسات وقلة تحمل المسؤؤلية الوطنية والخوف من
المشاركة.
4- ضعف الامكانات البشرية والمالية التي تشكل ضغطا متزايدا على استقلالها
وبالتالي ارتهان العديد منها أو تبعتها إلى جهات بعيدة عن إرادة أعضاء هذه
المؤسسات.
5- تسلل المتربصين لقيادة هذه المؤسسات في ظل تواني المخلصين والأكفاء
للتصدي وضعف المواصلة والمثابرة على الاستمرار وشيوع عقلية المؤامرة ومن ثم
الأخذ والانحراف بها عن اتجاهها وأدوارها الحقيقة.