وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني يزور اسبانيا

يقوم معالي وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني بزيارة اسبانيا، بناءا على دعوة مركز توليدو الدولي للسلام ، للمشاركة في ورشة " تقوية المجتمع المدني  في العراق،  في سمينار تدريبي على حل النزاعات وحقوق الإنسان " ، التي تعقد في مدريد للفترة ما بين 2-6 آذار 2009 ، بالتعاون مع جمعية الأمل العراقية في بغداد، وبدعم خاص من وزارة التعليم والسياسة الاجتماعية والرياضة الاسبانية، وذلك ضمن إطار إعادة البناء الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي في العراق.

وسيكون لمعالي الوزير كلمة حول فض النزاعات والصراعات في العراق وحقوق الإنسان حيث سيبين معاليه دور الحكومة العراقية الوطنية المنتخبة في القضاء على الإرهاب والقاعدة والجماعات المسلحة من خلال برامج المصالحة الوطنية والعهد الدولي. كما يتطرق معاليه إلى ثقافة السلام واللاعنف، وضرورة العمل على تبنيها كإستراتيجية للعيش المشترك في العراق.

كلمة

وزير الدولة لشؤون المجتمع المدني في مؤتمر مدريد "لتقوية المجتمع المدني في العراق،  بخصوص حل النزاعات وحقوق الإنسان"

للفترة بين 2-6 اذار 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

      أتوجه بداية؛ بالشكر الجزيل؛ إلى مركز توليدو الدولي للسلام، وجمعية الأمل العراقية، وإلى وزارة التعليم الاسبانية، وأيضا إلى الأخوات والإخوة القيمين على هذه الورشة، الذين أتاحوا لي فرصة التحدث أمامكم، حول كيفية "تقوية دور المجتمع المدني في العراق فيما يتعلق بحل النزاعات وحقوق الإنسان"

   السيدات والسادة الحضور..

       لاشك أن المجتمع المدني في العراق ليس مجتمعا جديدا تماما، وإنما كانت هناك بوادر للعمل المدني، مع أول تشكيل للدولة العراقية الحديثة، تتمثل في نشاطات وفعاليات الحركات الاجتماعية والطلابية والشبابية والنسائية والنقابية، وكذلك المؤسسات الإنسانية الخيرية المختصة في أعمال الإغاثة والمعونة والمساعدة...

       إلا أنه لا يخفى عليكم أيضا، أن المشكلات السياسية، وآليات تولي الحكم في العراق عن طريق الانقلابات والثورات المفاجئة، كانت تؤثر تأثيرا سلبيا على أداء المؤسسات الحكومية، فضلا عن فعاليات المؤسسات الاجتماعية الإنسانية، لأن هذه الأخيرة كانت –دائما- محكومة بسياسات وتوجهات تلك الأنظمة الاستبدادية، وفهمها للعمل المدني.  

      وبالتالي، فان الحديث عن دور المجتمع المدني في حل النزاعات وحقوق الإنسان، في بلد مثل العراق، يحمل إرثا ثقيلا من الحروب والنزاعات والصراعات الخارجية والداخلية، وما رافقها من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، من قبل النظام السابق قبل 2003 ، أو من قبل قوى الاحتلال، والإرهاب والقاعدة، والجماعات الخارجة عن القانون، والعنف الطائفي  بعد 2003، بالإضافة إلى النقص الحاد في الخدمات الأساسية، هو حديث ذو شجون، وهو حديث مهم وأساسي، ومطلوب في كل وقت، للحد من حالات التوتر والتشنج السياسي والطائفي والقومي ، ومن أجل بناء عراق مستقر خالي من الاستبداد والنزاع والعنف، ومزدهر اقتصاديا، وفي سلام مع دول الجوار، ومتكامل داخل المجتمع الدولي.. 

السيدات والسادة الأفاضل...

تعلمون جيدا أن الحكومة العراقية الوطنية المنتخبة تبنت العديد من المبادرات الوطنية الرامية إلى الحد من النزاعات والصراعات والاختلافات المجتمعية، والهادفة إلى بناء المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية على أسس ديمقراطية وحضارية كـ"مشروع المصالحة الوطنية" و"مشروع العهد الدولي مع العراق". 

       وقد تمكنت بظرف قياسي، وفي ظروف استثنائية من لم شمل العراقيين؛ بمكوناتهم الأساسية، وقواهم السياسية والدينية والعشائرية والمدنية، في مؤتمرات وندوات وورش عمل، بغية إرساء حوار حقيقي وجاد بين الأطراف المتنازعة، ولاحتواء الأطراف التي تمارس العنف..

        وتواصل الحكومة العراقية المنتخبة جهودها الحثيثة في دعم عملية الاعمار والبناء والاقتصاد، وفرض الأمن والاستقرار، بتقوية الأجهزة الأمنية والشرطة الوطنية، وإشاعة أجواء الحرية والديمقراطية...

      والمساعدات والمعونات الدولية التي تقدمها بعثات ومكاتب الأمم المتحدة، والدول الصديقة والحليفة للعراق، لجعل القيم والسلوكيات الاجتماعية في العراق أكثر مساندة وتقبلا للبنية السياسية الديمقراطية التي أوجدت بعد 2003، كانت مشجعة وداعمة لنهوض ورقي المجتمع العراقي من خلال تضييق الخناقات الداخلية، وفي للانفتاح على العالم المتحضر ...

      وبالتالي، ولا يخفى على حضراتكم- جميعا-  أن عراق اليوم يشهدُ بعضَ التقدم الاجتماعي، وبعضَ التقدم الثقافي، وبعضَ التقدم الاقتصادي، وهناك الاتصالُ بالعالم الخارجي، وهناك سفرُ وإفادات وبعثات، وتجارة خارجية مفتوحة، وهناك تقدمُ سياسي جوهري متمثل في استبدال سلطة مستبدة ومتفردة وناقمة بأخرى "ديمقراطية" توافقية متعددة..

       وأكثر من ذلك هناك حرية الفكر والرأي والعقيدة. وبالتالي، فلا يمكن بكل حال من الأحوال؛ أن نقارن عراق ما يسمى بـ"عراق صدام" بالعراق الجديد؛ لان ما يحدث في العراق اليوم هو نقلة تستحق الاحترام والتبني والمؤازرة.

 السيدات والسادة الكرام...

        لاشك أن العراق، بعد كل هذه التحديات الكبيرة، ينهض قويا من جديد، وهو يسير على الطريق الصحيح، وهناك إرادة سياسية وشعبية على المضي قدما، نحو تحقيق الاستقرار، وبناء قواعد الديمقراطية والحرية..

      وبالتالي، فهو بحاجة إلى وقفة جادة، ومسؤولة، ومتواصلة للمجتمع الدولي، وإلى اصدقائه وحلفائه في المسيرة، لكي يستكمل دورته الديمقراطية، ويُعيد بنائه الحضاري.

     وأعتقد أن هناك وسائل وأدوات لها أولوية إستراتيجية في العراق في إحداث التحول الديمقراطي الحر المنشود، مازال لم يُعمل بها، أو عُمل بها، ولكن على نطاق ضيق، ومنها تلك الوسائل المتعلقة بالتعليم المكثف للمواطنين على ثقافة السلام ونبذ العنف، بمختلف مستوياتهم.

     أشعر تماما، أن هناك نقصا مفضوحا في أدوات ثقافة السلام، وما لم نقوِ قيم السلام في مجتمعنا، فسوف يظل العنف رائدا وسبيلا لحل مشاكلنا واختلافاتنا؛ لان العنف -في واقعه- ثقافة متراكمة حصل عليها المواطن العراقي بالتجربة، وتلقاها وتعامل معها راغبا أو مرغما، حتى أصبحت- مع مرور الايام- جزءا من كيانه وحياته، وأضحى التنازل عنها -في كثير من الأحيان- تنازلا عن شخصيته وقيمه ومبادئه...

      فحتى وقت قريب، وبسبب السياسيات العداونية للانظمة السياسية الحاكمة، كان غالبية العراقيين- بما فيهم الأطفال والشباب- يتفاعلون إلى ابعد الحدود مع التربية المعظمة للحرب والمروجة لها، تلك التربية التي ربطتها الانظمة المستبدة بحب الوطن دون أن يدركوا أنهم سيكونون عاجلا أو آجلا محرقة لها، وأن الحرب هي مشكلة جهاز أو نظام عدواني، وليس مشكلة شعب يطلب السلام، ويريد الحياة.

       ومن هذه المنطلق، يتعين علينا أن نجد في العراق ثقافة جديدة لا تقوم على تمجيد الحرب، ولا الرغبة في العدوان، بل تشرح وتعطي وجهة نظر شاملة حول الحروب والصراعات المسلحة، وآثارها على البشر وتدمير الكرامة الإنسانية.

      إن سعينا الحثيث لتبنى ثقافة السلام مكان ثقافة العنف، وثقافة المحبة محل ثقافة الكراهية، يعني ببساطة أن نجعل السلام والمحبة جزءا حيويا واستراتيجيا من شخصيتنا ومعاشنا وثقافتنا وعلاقاتنا، حتى تتحول ثقافة السلام والمحبة -مع مرور الأيام- إلى عرف وعقيدة اجتماعية راسخة، يكون التنازل عنهما بمثابة التنازل عن الحياة، والكرامة، والعزة ..

     إذن، سيداتي وسادات، هناك حاجة حقيقية وملحة إلى وضع إستراتيجية تثقيف وتعليم المواطنين في مجالات السلام واللاعنف من أجل تقويم الاحتمالات والإمكانيات واختيار البدائل في مجال الانتقال من العنف إلى السلام عن طريق ما يُعرف بـ"تربية السلام" والتي تتضمن مناهج تربوية شاملة على مراحل مختلفة؛ كمرحلة الوقاية من العنف، ومرحلة إجهاض العنف الوليد، ومرحلة علاج النتائج غير الخطيرة وتدارك النتائج الخطيرة للعنف، ومرحلة التعامل مع الآثار المادية للعنف الخطير، ومرحلة التعاطي مع الآثار النفسية للعنف وغيرها.

    وبالتالي، اسمحوا لي أن أتقدم بجملة مقترحات لعلها تأخذ طريقها في ورشتكم:

  - ضرورة التركيز على دعم المنظمات والباحثين والناشطين في مجال المجتمع المدني من الشباب وصانعي القرارات السياسية الملتزمين بأهداف الانتقال من ثقافة العنف إلى ثقافة السلام...

- ضرورة تنظيم ورشات العمل والمؤتمرات لتدريب الشباب وتشجيعهم على التعلم من أجل السلام في مدارسهم ومؤسساتهم وفي مجتمعاتهم المحلية.

- ضرورة وضع تصورات وآليات تمكن مؤسسات المجتمع المدني المعنية بمكافحة العنف من التواصل مع المسئولين الحكوميين والتربويين لوضع مبادئ المناهج التربوي السلمي، وتدريب المعلمين على التعليم من أجل السلام.

-ضرورة تأسيس مركز باسم "مركز تربية السلام" مدعوما من المجتمع المدني، يعنى بحل النزاعات والاختلافات التي تنشب في المناطق المؤهلة للعنف.

-  أهمية التركيز على اختيار متطوعين مختصين في فض النزاعات والاختلافات، وممن لهم معرفة جيدة بأصولها ومصادرها، لان ذلك يجعلهم أقدر إلى طرح الحلول المناسبة التي تتلاءم مع أسباب وطبيعة تلك الصراعات.

     وأخيرا، اسمحوا لي باسمي ، وباسم الحكومة العراقية، ووزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني، أن اشكركم على حسن انصاتكم واستماعكم، متمنيا لورشتكم النجاح والتوفيق...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته